حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
140
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها ، و « ذلك الكتاب » جملة ثانية ، و « لا ريب فيه » ثالثة ، و « هدى للمتقين » رابعة . وفقد العاطف بينها لمجيئها متآخية آخذا بعضها بحجرة بعض ، لأنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريرا لجهة التحدي ، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان تسجيلا بكماله ، فلا كمال أكمل مما للحق واليقين ، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ، ثم في كل من الجمل نكتة ذات جزالة . ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه كما مر في الوجه الثامن ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة أي الكتاب الذي يستأهل أن يقال له الكتاب ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع هاد وإيراده منكرا والإيجاز في ذكر المتقين . البحث الخامس في قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ . الآية وفيه مسائل : الأولى : « الذين يؤمنون » إما موصول بالمتقين صفة ، أو نصب على المدح ، أو رفع كذلك بتقدير أعني الذين ، أو هم الذين ، أو مرفوع بالابتداء مخبر عنه « بأولئك على هدى » . الثانية : « الذين يؤمنون » على تقدير كونه صفة يكون إما واردا بيانا وكشفا وذلك إذا فسر المتقي بأنه الذي يفعل الحسنات ويجتنب السيئات ، لأن الإيمان أساس الحسنات والصلاة أم العبادات البدنية قال صلى اللّه عليه وسلم : « الصلاة عمادة الدين » « 1 » « وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة » « 2 » والزكاة أفضل العبادات المالية قال صلى اللّه عليه وسلم : « الزكاة قنطرة الإسلام » فاختصر الكلام اختصارا بذكر ما هو كالعنوان لسائر الطاعات وكالأصول لبواقي الحسنات ويندرج فيها اجتناب الفواحش والمنكرات لقوله عزّ من قائل إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] وإما مسرودة مع المتقين مفيدة غير فائدتها وذلك إذا فسر المتقي بالمجتنب عن المعاصي فقط . ثم إنه يكون قد وصف بالإيمان وهو فعل القلب وبأداء الصلاة والزكاة وهما من أفعال الجوارح ، وهذا ترتيب مناسب لأن لوح القلب يجب تخليته عن النقوش الفاسدة أولا ، ثم تحليته بالعقائد الحقة والأخلاق الحميدة ، وإما معدودة عدا على سبيل المدح والثناء وذلك إذا فرض المتقي موسوما بهذه السمات ، مشهورا بهذه
--> ( 1 ) رواه الترمذي في كتاب الإيمان باب 8 . أحمد في مسنده ( 5 / 231 ، 237 ) . بلفظ « . . . . وعموده الصلاة » . ( 2 ) رواه مسلم في كتاب الإيمان حديث 134 . أبو داود في كتاب السنّة باب 15 . الترمذي في كتاب الإيمان باب 9 . ابن ماجة في كتاب الإقامة باب 17 .